الشيخ علي الكوراني العاملي
91
جواهر التاريخ ( سيرة الإمام الحسن ع )
تكلم به أشد الندم . وقام المسيب بن نجبة الفزاري إلى الحسن بن علي فقال : لا والله جعلني الله فداك ما ينقضي تعجبي منك ! كيف بايعت معاوية ومعك أربعون ألف سيف ، ثم لم تأخذ لنفسك ولا لأهل بيتك ولا لشيعتك منه عهداً وميثاقاً ، في عقد طاهر ، لكنه أعطاك أمراً بينك وبينه ثم إنه تكلم بما قد سمعت ، والله ما أراد بهذا الكلام أحداً سواك . فقال له الحسن : صدقت يا مسيب ! قد كان ذلك فما ترى الآن ؟ فقال : أرى والله أن ترجع إلى ما كنت عليه وتنقض هذه البيعة ، فقد نقض ما كان بينك وبينه ! قال : ونظر الحسن بن علي إلى معاوية وإلى ما قد نزل به من الخوف والجزع ، فجعل يسكن الناس حتى سكنوا ، ثم قال للمسيب : يا مسيب ! إن الغدر لا يليق بنا ولا خير فيه ، ولو أني أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر مني على اللقاء ولا أثبت عند الوغاء ، ولا أقوى على المحاربة إذا استقرت الهيجاء ، ولكني أردت بذلك صلاحكم وكف بعضكم عن بعض ، فارضوا بقضاء الله وسلموا الأمر لله حتى يستريح بر ويستراح من فاجر . . . الخ . ) . ( وأنساب الأشراف ص 744 ، وترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ) من الطبقات ص 79 ) . أقول : هذا النص على ما فيه يكشف لنا عدة أمور : أولاً : أن معاوية دخل الكوفة بنشوة النصر والانتقام ، ولم يخف نواياه في ذلك بل تعمد أن يظهرها ويعلن تشفيه بإذلال خصمه ، وأنه سينتقم سينتقم ! فهو لم يَنْسَ أن محمداً جدَّ الإمام الحسن ( صلى الله عليه وآله ) دخل مكة بالأمس فاتحاً فأرسل نداءه إلى أهلها بالعفو العام قبل دخول رايته ! فبادر أبو سفيان إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأعلن إسلامه وحفظ دمه ، بينما اضطر معاوية إلى الهرب إلى اليمن لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) هدر دمه لبذاءة لسانه ! وهو لم ينسَ أن أهل العراق لم يؤذوه معشار ما آذى هو وأبوه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !